الاعلامي عادل العربي يكتب: شباب المغرب مشعل اليوم وأفق الغد

  • بتاريخ : أغسطس 21, 2026 - 8:00 م
  • الزيارات : 74
  • يطل علينا عيد الشباب، الذي يخلده الشعب المغربي كل سنة في الحادي والعشرين من غشت، باعتباره محطة وطنية متجددة تحمل أكثر من دلالة، فهو ليس مجرد ذكرى تتقاطع مع ذكرى ميلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وإنما مناسبة لاستحضار المكانة التي يحتلها الشباب في المشروع المجتمعي والتنموي للمملكة، باعتبارهم قوة الحاضر، وعماد المستقبل، والثروة الحقيقية التي يعول عليها المغرب في مواصلة مسيرة البناء والتنمية وترسيخ أسس الدولة الحديثة.

    إن الاحتفاء بعيد الشباب هو في جوهره احتفاء بطاقات مغربية واعدة، بشباب يحملون أحلاماً وطموحات كبيرة، ويبحثون عن فضاءات أرحب لإثبات الذات والمشاركة والعطاء. وهو أيضاً مناسبة للتأمل في حجم التحولات التي عرفتها مكانة الشباب داخل السياسات العمومية، وفي المبادرات والمشاريع التي جعلت من تمكين هذه الفئة أولوية ضمن مسار التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة.

    ومنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، ظل الشباب في صلب الرؤية الملكية، باعتبارهم شركاء حقيقيين في بناء مغرب الغد، لا مجرد مستفيدين من البرامج والسياسات. فقد حرص جلالته على أن تتجاوز المقاربة الموجهة للشباب منطق الرعاية الظرفية إلى بناء منظومة متكاملة تقوم على التعليم والتكوين والتأهيل والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتفتح أمامهم أبواب المبادرة والابتكار والمشاركة في الحياة العامة.

    لقد أدرك جلالة الملك، حفظه الله، أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، وأن بناء مغرب قوي ومزدهر لا يمكن أن يتحقق دون شباب مؤهل، متعلم، واثق في مؤهلاته، ومتمسك بقيم المواطنة والمسؤولية. ومن هنا جاءت المبادرات الملكية المتعددة التي تستهدف تحسين ظروف عيش الشباب، وتيسير ولوجهم إلى التعليم والتكوين المهني، وتشجيعهم على خلق المشاريع والمقاولات، ودعم ولوجهم إلى سوق الشغل، فضلاً عن توفير فضاءات رياضية وثقافية واجتماعية قادرة على احتضان طاقاتهم وتوجيهها نحو الإبداع والعطاء.

    ولعل الرهان الأكبر اليوم يتمثل في الانتقال بالشباب من موقع الانتظار إلى موقع الفعل، ومن موقع البحث عن الفرصة إلى موقع صناعة الفرصة. فالشاب المغربي لا يحتاج فقط إلى الدعم، بل يحتاج قبل ذلك إلى الثقة، وإلى فضاء يتيح له أن يبتكر ويجتهد ويغامر ويخطئ ويتعلم ويبدأ من جديد. ومن هنا تبرز أهمية جعل الشباب في قلب الدينامية الاقتصادية، ومنحه الأدوات التي تمكنه من تحويل أفكاره ومؤهلاته إلى مشاريع وقيمة مضافة وفرص شغل.

    كما أن العناية بالشباب لا تنحصر في الجانب الاقتصادي وحده، بل تمتد إلى بناء شخصيته المتوازنة وتعزيز انفتاحه الثقافي والفكري والرياضي، وحمايته من مختلف مظاهر الانحراف والتطرف والإدمان واليأس. فالشباب الذي يجد أمامه فضاءات للرياضة والثقافة والتكوين والتواصل والإبداع و الدعم ، هو شباب أكثر قدرة على الاندماج الإيجابي في المجتمع، وأكثر استعداداً لتحمل مسؤولياته تجاه وطنه ومحيطه.

    وفي هذا السياق، تكتسي مراكز التكوين والتأهيل والإدماج، والمراكز السوسيو-تربوية والسوسيو-رياضية، والفضاءات المخصصة للشباب، وبرامج دعم المبادرة والمقاولة، أهمية خاصة، لأنها تجسد على أرض الواقع فلسفة تقوم على تقريب الفرص من الشباب، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى مزيد من المواكبة والاستثمار في الرأسمال البشري.

    وإذا كان الاقتصاد يشكل أحد المداخل الأساسية لتمكين الشباب، فإن السياسة بدورها تظل مجالاً حيوياً لا ينبغي أن يغيب عنه الشباب. فالديمقراطية لا يمكن أن تتجدد دون دماء جديدة، والمؤسسات لا يمكن أن تظل قوية وفاعلة دون مشاركة أجيال جديدة تحمل أفكاراً ورؤى مختلفة، وتؤمن بأن الشأن العام مسؤولية مشتركة وليست امتيازاً لفئة دون أخرى.

    ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية المبادرات الرامية إلى تشجيع الشباب على ولوج الحياة السياسية، وتسهيل مشاركتهم في المؤسسات المنتخبة، وإتاحة المجال أمامهم للمساهمة في صناعة القرار. فالمغرب الذي يراهن على المستقبل يحتاج إلى شباب حاضر في البرلمان والجماعات الترابية والأحزاب السياسية ومختلف المؤسسات، ليس فقط كرقم انتخابي، وإنما كقوة اقتراحية وكفاءات قادرة على تقديم حلول جديدة للتحديات المتجددة.

    إن تمكين الشباب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ليس ترفاً، بل هو استثمار استراتيجي في استقرار الوطن وقوته وقدرته على مواجهة التحولات. فكلما نجح المجتمع في منح شبابه الثقة والفرص والمسؤولية، كلما نجح في بناء جيل أكثر ارتباطاً بالوطن وأكثر إيماناً بقدرته على صناعة مستقبله.

    وفي المجال الرياضي، شكل الدعم الملكي المتواصل للرياضة الوطنية والمواهب الشابة رافعة أخرى لإبراز القدرات المغربية، حيث أثبت الشباب المغربي في العديد من المحافل الدولية أن الإرادة والتكوين والمواكبة قادرة على تحويل الطموح إلى إنجاز، والحلم إلى حقيقة، ورفع راية المملكة عالياً في مختلف المنافسات.

    ولا شك أن التحديات التي تواجه الشباب اليوم أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى؛ فإلى جانب تحديات التعليم والتشغيل، برزت تحديات التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والمهن المستقبلية، فضلاً عن التغيرات المناخية والتحولات الاقتصادية العالمية. وهو ما يفرض الاستثمار أكثر في المعرفة والمهارات والابتكار، وإعادة التفكير باستمرار في منظومة التكوين حتى تواكب حاجيات الاقتصاد والمجتمع.

    ومن هنا، فإن عيد الشباب ينبغي أن يكون أيضاً مناسبة لتجديد العهد مع طموحات هذه الفئة، والإنصات إلى انتظاراتها، وفتح نقاش صريح ومسؤول حول مستقبلها. فالشباب لا يريد فقط أن نتحدث عنه، بل يريد أن نسمعه، وأن نثق في قدرته، وأن نمنحه الفرصة للمشاركة في صناعة الحلول والقرارات التي تهم مستقبله ومستقبل وطنه.

    إن المغرب اليوم، وهو يواصل مسيرته التنموية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يمتلك رصيداً بشرياً شاباً قادراً على تحويل التحديات إلى فرص، إذا ما توفرت له الظروف الملائمة والإمكانات الضرورية. ولذلك فإن الرهان على الشباب هو في العمق رهان على مغرب أكثر قوة وتماسكاً وابتكاراً، مغرب يضع الإنسان في قلب التنمية ويؤمن بأن مستقبل الأمم يصنعه أبناؤها قبل كل شيء.

    وفي عيد الشباب، لا نحتفي فقط بعمر الشباب وحيويته، بل نحتفي بفكرة الأمل نفسها؛ أمل كل شاب في مدرسة أفضل، وتكوين جيد، وفرصة عمل كريمة، ومشروع قابل للحياة، وفضاء ثقافي ورياضي يحتضن موهبته، ومشاركة سياسية تمنحه حق المساهمة في صناعة القرار.

    إن الشباب المغربي اليوم أمام مسؤولية تاريخية، كما أن المؤسسات أمام مسؤولية أكبر في فتح الأبواب أمام هذه الطاقات. فالوطن الذي يمنح شبابه الثقة يحصد الإبداع، والوطن الذي يستثمر في تكوينهم يحصد التنمية، والوطن الذي يشركهم في صناعة مستقبله يحصد الاستقرار والقوة.

    وهكذا، يظل عيد الشباب موعداً وطنياً لتجديد الإيمان بأن مغرب المستقبل لن يبنى إلا بسواعد شبابه، وبعلمهم وكفاءتهم وابتكارهم وروحهم الوطنية. وهو أيضاً مناسبة لتأكيد أن أفضل هدية يمكن تقديمها للأجيال الصاعدة ليست فقط الاحتفاء بها، وإنما منحها الفرصة الحقيقية لتكون شريكاً في بناء الوطن.

    فالشباب ليس مجرد مرحلة عمرية عابرة، بل هو طاقة وطنية متجددة، وإذا أحسن المغرب الاستثمار فيها، فإنها ستتحول إلى قوة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية قادرة على حمل مشعل التنمية نحو آفاق أرحب.

    عيد الشباب إذن ليس مجرد ذكرى تُحتفل بها، بل رسالة متجددة مفادها أن مستقبل المغرب يبدأ من شبابه، وأن الاستثمار في الإنسان، وتمكينه، والثقة في قدرته على الإبداع والعطاء، هو أقصر طريق نحو مغرب قوي، متقدم، متماسك ومتصالح مع مستقبله.

    #عادل العربي